السبت، 23 أبريل 2011

حوار سابق مع مجلة حطة .. أحمد منصور: لا يعجبني تهميش المواطن واعتباره قاصر




أحمد منصور، مهندس وشاعر وكاتب وناشط حقوقي، شاب إماراتي مفعم بالنشاط ومليء بحب الوطن ومدافع عن حقوق الإنسان، التقته مجلة حطة فكان لها معه هذا الحوار الذي فيه الكثير من الصراحة:


- بكلماتك الخاصة كيف تعرف نفسك لقراء مجلة حطة ؟
أحمد منصور، مواطن إماراتي، أحمل حالياً جواز دبي، و سابقاً جواز رأس الخيمة وأتمنى في يوم من الأيام أن أحمل جواز الإمارات فقط! أكاديمياً مهندس، أحمل شهادة ماجستير في هندسة الاتصالات وبكالوريوس في الهندسة الكهربائية من الولايات المتحدة الأمريكية ودبلوم عالي من كليات التقنية، ومنخرط حالياً في دراسة القانون. لدي اهتمامات أدبية منذ آواخر الثمانينيات من القرن الفائت، واهتمامات حقوقية في السنوات الأربع الأخيرة على الأرجح.

- أنت كاتب وناشط حقوقي فما الذي دفعك إلى هذا الدرب؟ وهل هو شائك أم مفروش بالورود؟
دعني أقول أولاً أني شخص مقل في الكتابة، وتقديمي لذاتي أحيانا بهذا الوصف مربك بالنسبة لي حتى، وأحاول تجنبه قدر الإمكان، فأنا لم أتخلص من الاشكاليات المفاهيمية بعد، و أجدني دون إرادة منساق وراء تفاصيل الكلمة والمفهوم والمصطلح وما إلى هنالك، على كل، كي لا يكون هذا محور الحديث، سأتحدث عما هو أهم، وهو الجزء الثاني من سؤالك، والتي لا تخلو إجابته بالنسبة لي من الإشكالية المفاهيمية التي أشرت إليها. فالذي دفعني إلى هذا الدرب في الحقيقة هو حبي لوطني، وهو الحب الذي أفهمه على نحو مغاير ربما مما يفهمه الكثير من أبناء هذه الدولة.
لقد تعلمت على حساب دولتي، وعشت في الخارج وقرأت ما سنح لي الوقت لقراءته وتثقيف نفسي بشكل بسيط، لذلك، أشعر بأن علي التزام مجتمعي ودين لابد أن أرده لهذا الوطن الغالي على قلوبنا. أريد لوطني أن يكون أفضل حالاً على الدوام، وأريد لأبناء بلدي أن يكونوا كذلك. وأعتقد أن وطني سيكون أفضل حالاً عندما ينتهج طريق الديموقراطية، والفصل بين السلطات الثلاث، ويحترم حرية الرأي والتعبير والحريات الشخصية وحرية الصحافة والضمير والوجدان، وسائر حقوق الإنسان كالعدل والمساواة الاجتماعية وعدم التمييز لأي سبب كان والمساواة في الفرص وغيرها. وبناءً عليه، رأيت أن واجبي يحتم علي السير في هذا الطريق، كي لا تلعننا الأجيال القادمة؛ التي ربما لن تجد دولة تسمى الإمارات لتعيش فيها إذا ما استمرت الأمور كما هي على النحو الحالي.
الطريق بالتأكيد ليست مفروشة بالورود، بل هي طريق وعرة، وعلى الإنسان الذي يفكر في انتهاجها أن يكون ذا صبر طويل، ونفساً غير اعتيادي، و عليه أن يتحمل – ويا لها من مفارقة - كل الاتهامات بالخيانة واللاوطنية والعمالة وما إلى ذلك. إلا أن القيام بذلك أمر ضروري للغاية، فهذه بلدنا، و يجب علينا ألا ننتظر أن يأتي الآخر لإصلاحها وجعلها دولة عصرية بالمفهوم الحقيقي للكلمة وليس بالمفهوم الشكلي الأجوف. شخصياً، أعتقد أن الإصلاحيين والنشطاء الذين يعملون وفق أجندة واضحة بمعايير دولية وإنسانية كبرى إنما يتحلون بأعلى درجات الوطنية، ولو قيل عنهم خلاف ذلك.
أما لمَ هذه الدرب غير مفروشة بالورود، فالجواب يكمن في إصرار بعض الفئات واستئثارها في إدارة شؤون الدولة المالية والسياسية والإدارية والتشريعية والقضائية إلخ. ومحاولة هذه الفئات المحافظة على مكتسباتها الشخصية على حساب باقي أبناء الدولة، ولو اتخذ ذلك أسلوب القمع وأحيانا الزج في السجون والتعذيب والمنع من السفر وتضييق سبل العيش وما شابه ذلك. كل ذلك في سبيل الحفاظ على الامتيازات التي وهبوها لأنفسهم.

- وهل دراستك للقانون كانت بسبب نشاطك الحقوقي؟
بالتأكيد، هي محاولة لإعطاء هذا النشاط ذلك البعد الأكاديمي الذي أعتقد أنه سيسعفني في أداء مهمتي في هذا الجانب بشكل أفضل، على الأقل هذا ما أطمح إليه، ولا أعلم بالنتائج، خاصة أني مازلت في بداية  الطريق الدراسية والحياة لا تخلو من المنغصات وضيق الوقت الذي ينقسم بين الوظيفة صباحاً و الدراسة والأسرة وبعض الأمور الخاصة مساءً.

- أنت أديب وشاعر وأصدرت مجموعة شعرية، فأين  أينت من الشعر الآن ؟ وماذا حل بـ(مجموعة الشحاتين الأدبية) التي أسستها عام 1989؟ ومن كان أعضاؤها في ذلك الوقت؟
 لست أديباً، وقد سبق وأن رفضت أن يلحق اسمي بهذا الوصف، كوني لم أصل إلى تلك المرحلة من القراءة والمتابعة الأدبية والإنشغال الأدبي الكامل و الممنهج، بالرغم من عدم وقوفي على السطح منه أيضاً، إلا أنني لا أعتقد أني أستحق ذلك الوصف. أما بالنسبة لوصف الشاعر، فربما أكون كذلك، وربما لا أكون أيضاً، فإصدار مجموعة شعرية لا يهب دوماً تلك الشرعية و ذلك التوصيف، و هناك استحقاقات كبرى على المرء أن يؤديها، خاصة عندما يتعلق الأمر بالشعر – هذا الكائن الأسطوري الخارج عن السيطرة.
أين أنا الآن من الشعر؟ سؤال متعب حقيقة، هناك مساحة شاسعة، و أراها تتسع، بيني وبين الشعر- كتابة على أقل تقدير. قبل سنوات، كنت أرى في مسألة الابتعاد عن الشعر وعن عوالمه وعن الرواية وعن الأدب أمراً مرعباً و لا يمكن لوعيي أن يتقبله، إلا أنني الآن أجد نفسي في حالة إذعان غير مألوفة لذلك للواقع الأليم بالنسبة إلي.
مجموعة الشحاتين كانت مجموعة لفترة من الزمن، كانت مجموعة لهدف نبيل، بقي الهدف وتفرقت المجموعة، وأخذت الحياة في طرقها ومنزلقاتها ودروبها من أخذت، وبقي البعض متمسكاً بالشعر وأكثر ألقاً من السابق، كزميلنا الشاعر أحمد العسم – أحد الأعضاء الخمسة، والذين كان من بينهم عبدالله السبب (مازال في عوالم الشعر والكتابة)، وماهر العوبد (أخذته الحياة لكنه ينبض بعض المرات بالشعر العامي)، وإبراهيم يونس (الذي لا أعرف له طريقاً، ومصدري الوحيد في معرفة بقائه على الوجود هو الزميل عبدالله السبب)، و آخرهم أنا - الواقع بين حياة صغيرة وموات كبير فيما يتعلق بالشعر والأدب.

- قبل عام تقريباً ونيف وفي برنامج عين على الديمقراطية لقناة الحرة ذكرت أن ما تم إنجازه في ملف البدون لا يتعدى 2% من حجم هذا الملف بسبب عدم وجود جدية لحل هذا الموضوع.. فكيف تفسر ذلك رغم أن رئيس الدولة أمر بإيجاد حل لهذا الملف وطي صفحته نهائياً؟
في الحقيقة هذه النسبة ربما تكون كذلك متفائلة بعض الشيء، و ربما تكون أصغر من ذلك بكثير في ظل التعتيم الكامل الذي تمارسه وزارة الداخلية على هذا الملف. فأرقام البدون تتراوح بين عشرة ألاف (10,000) نسمة كحد أدنى ورقم آخر كبير جداً صدر من المجلس الوطني الاتحادي وهو مائة ألف (100,000) شخص، من تم تجنيسهم من فئة البدون – حسب الأرقام المعلنة- لا يتجاوز المائة والخمسين منذ عام 2008 – أي حول الفترة التي أوصى بها رئيس الدولة للتعامل مع هذا الملف وإغلاقه بشكل جذري. وهذه النسبة بالتأكيد لا تقارب الـ 2% التي تحدثت عنها لو افترضنا الحد الأدنى من العدد الكلي للبدون (10,000 شخص).
تم في عام 2006 تجنيس (1,294) شخص. وهؤلاء كانوا على الأغلب ممن يمتلكون مراسيم منذ أيام المغفور له الشيخ زايد رحمة الله عليه. وقد ازدادت الأمور سوءاً في هذا الملف بعد ذلك، و أصبح الهاجس الأمني هو الهاجس المسيطر على التعامل مع هذا الملف في ظل القيادات الشابة الجديدة في الدولة.
وضع البدون في دولة الإمارات- كما هو في بقية دول الخليج - وصمة عار حقيقية في الجبين من المنظور الإنساني، و لا يمكن وصف ما هذه الحالة من وجهة نظري الشخصية بأقل من ذلك. فالتمييز ضد فئة البدون تقريباً في كل مناحي الحياة، ولا يبدو أن المسؤولين عن هذا الملف يشعرون بهذه المأساة الإنسانية الكبرى للبدون المتمثلة بانعدام الرعاية الصحية، والتعليم، وحق التملك، و حق تسجيل الأبناء واستصدار شهادة الميلاد لهم، وحق الانتقال والسفر، وحق الحصول على الوظيفة، والحق في الحصول على المسكن الملائم وغيره، مما يترتب عليه تبعات لا إنسانية تجعلهم عرضة للمرض والتخلف والاستقطاب والانخراط في عمليات إجرامية وغيرها لتوفير سبل العيش. و لا يمكن بأي حال من الأحوال من وجهة نظري الشخصية تبرير التلكؤ في إنجاز هذا الملف، لا تحت ذريعة الهاجس الأمني ولا حتى تحت ذريعة السيادة أو القانون. فالهاجس الأمني مبالغ فيه بشكل مفرط، و إلا فكيف نفسر عمل عدد لا بأس به من أفراد البدون في السلك العسكري (الجيش والشرطة)؟! و قد قضى بعضهم في الخدمة العسكرية ما يقارب الثلاثين عاماً، و هم مازالوا من فئة البدون! أليس في هذا ما يحير؟!
تجنيس المستحقين من البدون- وهم الأغلبية بالنأكيد- ربما لا يحتاج إلى قانون جديد، إنما يحتاج إلى قرار حاسم و فوري وليس إلى إصدار المزيد من التوجيهات واللجان، فالتوجيه موجود، وهو من أعلى سلطة في الدولة، و اللجان لم تقم سوى بالفحص الأمني والاستجوابات وأخذ عينات من الـ "دي إن أي" (DNA)، ولم تقدم حلاً للموضوع، ويبدو أنها عاجزة عن اتخاذ قرار إنساني، إيجابي وحاسم في المسألة، كما أنها لا تتمتع بالشفافية ويشعر المراقبون لهذا الملف أن هناك تخبط كبير في التعامل معه، فوزارة الداخلية تطلب من بعض البدون، و بشكل "غير رسمي" الحصول على جوازات جزر القمر لاستكمال عملية التجنيس، و هو ما قام البعض بفعله بناء على توجيهات الوزارة، لكن الوزارة أيضا لم تف بوعودها لهم، وبقوا على حالهم دون تجنيس وسط حالة متزايدة من القلق، بأن يكون الجواز الجديد والجنسية القمرية ذريعة في عدم التجنيس.
على اللجنة المكلفة بالملف، و على رأسهم وزارة الداخلية أن تكون واضحة كل الوضوح في هذا الملف، فهذا الملف إنساني بالدرجة الأولى، و تترتب عليه حياة عدد كبير من الناس الذين يعيش بعضهم بحالة مزرية لا يعلمها الكثير ممن يتعاملون مع الملف، أو في أفضل حال، لا يقدرون حجمها و وضعها الكارثي الحقيقي.
لقد جلب هذا الملف سمعة سيئة للدولة، و إذ لم يتم التعامل معه بشكل إيجابي وحاسم وفوري، فإنه سيجلب المزيد من الانتقادات غير الحميدة للدولة. على هذا الملف أن يحسم الآن قبل الغد، فالإمارات ستكون أفضل حالاً في حسمه، و إلا سيزداد تعقيداً دون شك وسيصبح التعامل معه في فترة لاحقة أكثر وعورة وأكثر جلباً للمتاعب. إن العلامة الأبرز في التعامل مع هذا الملف من وجهة نظري هي عدم الإنجاز وتضييق الخناق على هذه الفئة ومحاصرتهم ودفعهم بإمعان نحو الانحراف والتخلف والجريمة.

- ذكرت مرة أن الإمارات وصلت إلى نقطة "اللاعودة" بخصوص خلل التركيبة السكانية، فلماذا برأيك لم يعد بالإمكان إصلاح هذا الخلل؟
هذا صحيح، و ربما لا أكون أيضاً أول شخص يقول بذلك، وقد قال آخرون الشيء ذاته لكن ربما بشكل غير مباشر، فقد تحدث رئيس مركز الدراسات والبحوث في حوار استثنائي مع جريدة الاتحاد عام 2007، قائلاًً أن على الإماراتيين التكييف مع الخلل الحالي في التركيبة السكانية. ومن يعرف رئيس المركز- الدكتور جمال سند السويدي- وعلاقته القوية جداّ بصانع القرار، سيدرك أن الكلام لم يطلق عبثاً أو بدون دراية أو للتخويف من القادم، و إنما أطلق لأن نهج وسياسة الدولة على مر السنوات الثلاثين الأخيرة لم يكن إلا أن تؤدي إلى هذه النتيجة الحتمية. وهذه النتيجة غالباً ما تكون ذات طريق باتجاه واحد لا عودة فيه، فقد تم تهيئة الدولة بكل بُناها التحتية وتركيبتها الاقتصادية للبقاء حية من خلال هذا الأنموذج؛ أي أن بقاء أغلب مدن الدولة حية وفق النمط الاقتصادي الحالي هو رهن بوجود هذا الخلل السكاني الهائل. فمثلاُ خطة أبوظبي 2030 ترتب على أن يكون عدد سكان أبوظبي لوحدها عام 2030 هو 3 ملاين نسمة بينما يقارب الآن 1.6 مليون نسمة، أي أنه مخطط لعدد سكان العاصمة لوحده أن يتضاعف خلال العشرين عاماً القادمة. ولا شك أن دبي المليئة بالأبراج الشاهقة والمدن السكنية الضخمة والجزر الصناعية - المفتوحة على مصراعيها للتملك الحر- لم تقم ببناء كل ذلك للفراغ أو للعناكب، ولكي تبقى دبي إمارة قادرة على تدبر شؤونها اقتصادياً، فلا بديل من ملء كل هذه الوحدات السكنية بالبشر، وقس الأمر على باقي الإمارات بنسب متفاوتة، فما سمي على مدى سنوات طويلة بـ"تنمية" لم يكن سوى "نمو" مشوه وغير متقن، ولا شك أنه لن يقف عند حد الخلل في التركيبة السكانية، وسيتعداه حتماً للمطالبات بحقوق سياسية على المدى الطويل، وعندها لا نعرف ما هو المناخ السياسي الدولي، فهو مبني على المصالح أولاً وأخيراً، ولا يمكن أن يكون على الدوام في صالحنا. وكذلك  إن رئيس الدولة في خطابة الأخير في اليوم الوطني للدولة لم ينف استمرارية هذا الخلل المزمن، حيث أعرب فيه عن نظرته الإيجابية إلى هذا الملف الذي قال أنه "يجسد قدرة شعبنا ودولتنا على انصهار هذا الكم والتنوع البشري في إطار إنساني قادر على إعطاء نموذج لقدرة التفاعل الإنساني في عملية البناء والنهوض بدولتنا لتحتل مكانة متقدمة على الصعيد الحضاري والتنموي"، المستقبل إذن مفتوح على كل الاحتمالات إلا احمتال حل هذا الخلل الفادح في التركيبة السكانية.

- برأيك ما الذي تسبب في هذا الخلل أصلاً ؟
السبب الرئيسي في خلل التركيبة السكانية هو النهج الإنمائي الذي اتبعته الحكومات المحلية والاتحادية، أي أن الحكومة هي المسؤول الأكبر عن هذا الخلل، ذلك أن الحكومة وحدها من يضع التشريعات و الخطط بمعزل عن المشاركة الشعبية والرأي العام، الذي دون شك لا يستهويه هذا الخلل في التركيبة السكانية حتى لو انتفع منه البعض.
فقانون التمليك الحر مثلاً صدر أول الأمر في مدينة دبي، من قبل السلطة الحاكمة في دبي، وأصبح يمكن للأجنبي أن يتملك بيتاً أو أرضاً في الإمارة. وقد كان لهذا القرار فعل السحر في طفرة العقار التي شهدتها الإماراة، والأنموذج الذي اتبعته دبي وجد صدىً واسعاً لدى بقية الإمارات التي أصبح بعضها مشاعاَ وبيعت مساحات شاسعة منها في سباق عقاري محموم، حتى غدت مدينة صغيرة مثل عجمان عبارة عن شبه منطقة حرة بأكملها يمكن للأجنبي أن يتملك فيها حيث شاء.
هذا لا ينفي أيضا أن المواطنين أسهموا بطرق عدة بهذا الخلل وبتعزيزه، لكن لا يمكن مقارنة ما تقوم به الحكومة، التي يفترض بها حماية مصالح كافة المواطنين بالدرجة الأولى، مع ما يقوم به بعض الأشخاص في المجتمع تقع مصالحهم الشخصية في سلم أولوياتهم، وهو شيء يمكن فهمه، لكن ما لا يمكن فهمه أن تقوم الحكومة باستخدام صلاحياتها الإدارية والتشريعية لتهيئة كل السبل لتحقيق مصالح فئات محددة من المجتمع على حساب الأغلبية الساحقة من المواطنين.

- ما تقييمك لجمعية الإمارات لحقوق الإنسان من حيث دورها ونشاطها المحلي؟
الجمعية لها دور، لكن هذا الدور لا علاقة له بحقوق الإنسان كما أفهمها والتي تحددها المواثيق الدولية كالإعلان العالمي عن حقوق الإنسان والعهدين الدوليين المعنيين بالحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والإجتماعة والثقافية وغيرها من الاتفاقيات الدولية.

من خلال ملاحظتي لنشاط الجمعية، أرى أن دورها منحصر في مسألتين رئيسيتين؛ الأولى استقبال شكاوى الناس بكافة أشكالها ومحاولة التعامل معها (وهو دور شبيه بدور البث المباشر في الإذاعات المحلية)، والدور الآخر هو تشكيل خط دفاع "مدني" لممارسات الحكومة بغض النظر عن اتساق تلك الممارسات مع متطلبات حقوق الإنسان، حتى لو كانت متطلبات جوهرية، كحرية الرأي والتعبير الذي وقفت فيه الجمعية مع الحكومة ضد مختلف أطياف المجتمع المحلي والدولي الذي رفض قانون الأنشطة الإعلامية كونه يحد من حرية الرأي والتعبير ويضع عراقيلاً جمة أمامها. ولا أدل على دور الجمعية في الدفاع عن ممارسات الحكومة مما قامت به (الجمعية) في مارس عام 2009 في الأمم المتحدة خلال مناقشة تقرير الإمارات الوطني، وقد قامت – وفق ترتيب مسبق مع الحكومة و بعض المنظمات التي تحمل صفة ما يسمى بـ "الإيكو سوك" (أي المسجلة في الامم المتحدة و يجوز لها الحضور والتحدث) وتقدمت بورقة فيها إطراء شديد بسجل الدولة في حقوق الإنسان، بما فيها حق المشاركة السياسة على ما أذكر.

بشكل صريح ومباشر، جمعية حقوق الإنسان الإماراتية هي جمعية مدجنة وقد احتوتها الحكومة بشكل كبير، وأصبحت الحكومة أيضا تستغل وجود اسم منظمات المجتمع المدني (كجمعية حقوق الإنسان والاتحاد النسائي وغيرها) في تقاريرها التي تقدمها للأمم المتحدة كدليل على إشراك المجتمع المدني في إعداد تلك التقارير، حيث من شأن ذلك إضفاء المزيد من المصداقية عليها.
الرأي الذي أذكره هنا لا علاقة له بمدى صدقية نوايا الأشخاص القائمين على الجمعية، فهم يقومون بذلك العمل بشكل تطوعي يشكرون عليه، كما أنهم يعملون في إطار تشريع "قامع" لعمل منظمات المجتمع المدني بشكل حر ومستقل، وهذا لا يجعل مهمتهم سهلة بالتاكيد.

- لماذا تطالب بهيئة مستقلة لحقوق الإنسان في الإمارات؟
دعني أولاً أفرق بين هيئة حقوق الإنسان (تسمى أحيانا مؤسسات حقوق الإنسان) وبين جميعات حقوق الإنسان التي يفترض أنها جمعيات غير حكومية أو منظمات غير حكومية. فهيئة حقوق الإنسان هي عبارة هيئة حكومية في الأساس، ولها ميزانية مخصصة من قبل الدولة كباقي هيئات الدولة، لكنها يجب أن تكون مستقلة بشكل كامل عنها – حتى عن مجلس الوزراء- ويحكمها في هذا الجانب مبادئ باريس التي تحدد مستوى تلك الاستقلالية وصدقيتها. كما أن المبادئ تتطلب أن تتكون الهيئة من أشخاص ذوي خبرة وسمعة ومصداقية وتعددية تمثل مختلف أطياف المجتمع و تتمتع بصلاحيات واسعة في مجال اختصاصها، الذي يتضمن تقديم المشورة للحكومة، ونشر التوصيات، ودراسة التشريعات، وإصدار توصيات باعتماد أو تعديل بعض التشريعات، والتحري في انتهاكات حقوق الإنسان، و إعداد تقارير وطنية، وإشاعة ثقافة حقوق الإنسان و غيرها.
كما يتم تقييم عمل هذه الهيئات من قبل لجنة دولية مستقلة برعاية الأمم المتحدة وقد تعهدت دولة الإمارات وبشكل طوعي (كما أيضاً طالبتها بذلك بعض الدول و المنظمات) بإنشاء هيئة مستقلة لحقوق الإنسان أثناء الاستعراض الدوري الشامل لدولة الإمارات في الأمم المتحدة أمام مجلس حقوق الإنسان. و ما أطالب به، و يطالب به غيري، هو الإسراع في تنفيذ هذا التعهد الطوعي بشكل يضمن استقلالية عمل الهيئة بما يتوافق مع مبادئ باريس.

- بصفتك كاتب أيضاً وتمتلك مدونة شخصية، كيف تنظر إلى سقف الحرية الإعلامية في الدولة؟
سقف الحرية متدني جداً في الإعلام التقليدي. وهو في الحقيقة يتجه للأسوأ، ويثبت ذلك أيضا تراجع الإمارات في التصنيفات الدولية المعنية بهذا الجانب، وآخرها تصنيف مراسلون بلا حدود والذي تراجعت فيه الإمارات 17 درجة عن التقييم السابق. هذا بالرغم من قرار منع حبس الصحافيين.
الإعلام الإلكتروني قادر لحد الآن أن يناور ويتعب السلطات؛ فالحجب لا يعني عدم وصول الناس إلى الموقع، ولا يعني كذلك عدم ظهور مواقع مماثلة، ومع الوقت، سنجد أن الجهات الرسمية تنسحب من رقابة تلك المواقع وحجبها مرغمة لأنها لن تستطيع ملاحقة التكاثر الهائل لهذه المواقع ولأن حجبها لن يؤدي النتيجة المطلوبة.
الرقابة ستبقى على الإعلام التقليدي- المرئي والمطبوع والمسموع- وهذا الإعلام يفقد الآن موقعه لصالح الإعلام الإلكتروني، وسيكون تأثيره على الصحافة المطبوعة أكثر قسوة، حيث أنها تعاني من "ركود" القارئ وتوزع بحكم العادة، وستتحول مع الزمن إلى حالة موت سريري إلى أن تعلن بعده الوفاة الرسمية.
الرقابة الرسمية، والتعليمات العليا، والرقابة الذاتية والتشريعات المتشددة، جعلت من الإعلام الإماراتي (الذي هو رسمي بالأساس) إعلاماً باهتاً وغير قادر على اكتساب ثقة قرائه ومشاهديه ومستمعيه.
وهناك مسألة أخرى جديرة بالملاحظة، هي أن الإعلام الإماراتي الصادر باللغة الإنجليزية أكثر جرأة من نظيراتها العربية، بالرغم من عمل الجميع في نفس الإطار الضيق من الحرية.

إعلامنا إذن لا يمكن الرهان عليه، والمستقبل بكل تأكيد للإعلام الإلكتروني كونه يتمتع بسقف أعلى من الحرية بالرغم من عدم خلو عالمه من الملاحقة والتضيق والحجب ومحاولات الخنق، لكنه إعلام ذو طبيعة متمردة وسيستطيع فرض نفسه بشكل واثق كبديل كامل مع الزمن.

- كنت ممن رفضوا قانون النشاط الإعلامي الذي وافق عليه المجلس الوطني وتم تجميده بأمر من رئيس الدولة بعد كثير من الانتقادات واللغط، فما هي أهم أسباب رفضك؟
القانون الآن يبدو أنه مجمد، لكنّا لا نعرف ذلك على وجه الدقة أو بشكل رسمي. تجميده بهذه الطريقة أيضاً ليس مرغوبا فيه، فذلك يعني سريان أيضاً قانون الطباعة والنشر القديم، والذي كان أحد أسباب تكريس الرقابة الذاتية العتدية خلال العقود الماضية.
مشروع قانون الأنشطة الإعلامية كان مشروعاً سيئاً للغاية، خاصة أنه كان من المفترض أن يصدر عام 2009، أي في الألفية الجديدة. لقد تحدثنا كثيراً عن مساوئ مشروع القانون هذا والني تمتد من العقوبات المغلظة التي تصل إلى خمسة ملايين درهم للقيام بالتعرض لرئيس الدولة أو نائبه أو أعضاء المجلس الأعلى ونوابهم، هذا بالرغم من عدم وضوح معنى كلمة "تعرض" هنا ومخالفتها لنص دستوري صريح يساوي بين أبناء الدولة، فالتعرض للشخص – متى ما تم تعريفه على وجه الدقة – لا يجب أن يخص فئة دون غيرها. كما تكثر في المشروع العبارات الغامضة من قبيل الإضرار باقتصاد الدولة وتشويه هوية الإمارات، وغيرها من العبارات الفضفاضة وغير المحددة والتي سيتم تفسيرها بشكل موسع متى اقتضت الحاجة.
هذا بالإضافة إلى بعض مواد القانون التي تحكم الخناق على المؤسسات الإعلامية عن طريق المجلس الوطني للإعلام وأمن الدولة اللذان يملكان "الحق الحصري" في الموافقة على توظيف كوادر المؤسسات الإعلامية. وهذا في الحقيقة سببه أن من قام بهندسة هذا المشروع هو المجلس الوطني للإعلام بتعاون وثيق مع الجهات الأمنية؛ أي أن المشروع وضع بعقلية أمنية هدفها التحكم بالعملية الإعلامية وجعلها خاضعة وليست شريكاً كما يقال في بناء وتنمية هذا الوطن.
كما أن القانون المقترح يضع الكثير من العراقيل أمام إنشاء مؤسسات إعلامية، فهو يتطلب موافقة مجلس الوزراء لبعض و سائل الإعلام كالصحف، و يضع قرار إغلاق الصحف في يد ثلاث جهات هي المجلس الوطني للإعلام ومجلس الوزراء والقضاء.
أما عما يقال أن القانون الجديد لا يحتوي على عقوبة السجن، فهذا كلام مضلل في الحقيقة وبمثابة ذر الرماد في العيون، فهناك أمران يؤديان إلى السجن في ظل القانون الجديد؛ أولهما عند عدم قدرة الصحفي على دفع الغرامة الباهظة التي يفرضها عليه القانون الجديد، فيصبح بذلك ملاحق قانونياً ومتخلف عن سداد مبلغ مالي مستحق وسيتم التعامل معه كما هو معمول به في القوانين الأخرى التي تنص على الحبس في مثل هذه الحالات. والأمر الآخر هو أن القانون- بتعريفاته الواسعة- تضمن أيضا النشر الإلكتروني (وهذا ما أكده الوزير غباش- رئيس المجلس الأعلى للإعلام- خلال مناقشة مشروع القانون و كنت أحد الحضور)، ومن المعروف أن هناك قانون آخر لجرائم النشر الإلكتروني وهو القانون الاتحادي رقم (2) لسنة 2006 في شأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات، والذي تعاقب بعض مواده- خاصة المادة 16- على السجن في حالات نشر فضفاضة وحمالة أوجه هي الأخرى، وفي الحقيقة، هذه المادة هي من تسبب بحبس مدير موقع مجان الإلكتروني لمدة تزيد عن الخمسين يوماً وزميل آخر له مدة أقل. إذن عقوبة الحبس موجودة في قضايا النشر وإن لم ينص عليها صراحة. هذه بعض انتقاداتنا لمشروع القانون الذي جاء مخيبا لآمال الكثير منا.

- أنت مطلع على أحداث القضية المرفوعة من قبل شركة أبوظبي للإعلام ضد مجلة حطة، فما رأيك بما حصل؟
نعم مطلع و متابع لأحدات القضية، و ما حدث لـ"حطة" مؤسف بالتأكيد، ومؤسف أكثر لأنه يصدر من قبل جهة إعلامية، ينبغي لها أن تدافع عن حرية الكلمة وتقاتل من أجلها لا أن تضيق على وسائل إعلامية أخرى وتعمل على إغلاقها بقوة القانون (والذي لا يجدي نفعاَ أصلا مع وسائل النشر الإكتروني). كما أنه يتوقع أن يكون صدرها أكثر رحابة للانتقاد، و إن خرجت بعض تعليقات الزوار والقراء عن نطاق النقد المباح فهذه الأمور لايجب تسويتها عن طريق المحاكم وإنما عن طريق مخاطبة تلك المجلة أو الجهة لإزالة تلك التعليقات المشينة متى وجدت، ولا أعتقد أن القائمين على المجلة سيرفضون ذلك.  أما طريق المحاكم فيجب أن يكون الأخير بعد استنفاذ كل الوسائل الودية. وقد اقترحت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان – المعنية بالحريات الصحفية والإلكترونية بشكل كبير- طريقة للتعامل مع هذه المسائل وهذه الحالات وأجدها مناسبة جداً وأتمنى تطبيقها لدينا، وهي منشورة في موقع الشكبة على الإنترنت.

- وما رأيك بمجلة حطة ؟
مجلة حطة مجلة اجتماعية جيدة وذكية في اختيار مواضيعها، ويحسب لها استمراريتها طوال هذه السنوات كأول مجلة إلكترونية. لا شك أن هناك مجالات ينبغى العمل عليها وتحسينها تتعلق بفنون المهنة الصحافية، وهذه يمكن تعلمها أو اكتسابها مع الزمن، لكن هذا لا ينفي أهمية وجود مجلة حطة ودورها في تسليط الضوء على أمور مهمة في الدولة لا يعرف عنها العامة شيء. أنا على يقين أن الصحف والمجلات الإلكترونية ستزيد في "الدولة"، وهذا شيء إيجابي، والريادة فيه تحسب لـ"حطة".

- برأيك ما آثار مثل هذه القضية على الإعلام المحلي بشكل عام وعلى سائر المدونات والمجلات الإلكترونية الشخصية والمنتديات  الإماراتية؟
لا شك أنها ستؤثر سلباً على الإعلام الإلكتروني بكافة أشكاله، وهذا أعتقد يتماشى مع هوى الجهات الرسمية دون شك، ويتماشى كذلك للأسف الشديد مع أهواء بعض القائمين على الجهات الإعلامية والجمعيات ذات الصلة، كون هذا النوع من الإعلام يتهدد تواجدهم ومنابرهم بشكل قوي الآن و سيتسبب بتهميشهم والإطاحة ببعض رؤوسهم في المستقبل.
إلا أن الإعلام الإلكتروني هو إعلام متمرد بطبيعته، ويملك أدوات بقائه على قيد الحياة واستمراريته بالرغم من الضربات الموجعة التي يتلقاها، لكنه سيبقى صامداً لأنه يتملك الأدوات اللازمة لذلك.
وما حدث لـ"حطة" إحدى تلك المحاولات التي سترهب البعض دون شك، وتخلق لديهم رقابة ذاتية مضاعفة، وهي نقطة سوداء أخرى في مجال محاربة الحرية الإعلامية، لكنها أيضا ستولد من الناحية الأخرى مناوئين أكثر تمرداً وإصراراً على المقاومة والاستمرارية. على المدى البعيد لن يجدي هذا الترهيب نفعاً كما أسلفت، فالإعلام الإلكتروني سيستمر، وسيطرح أدوات جديدة على الدوام، وسيعزز من موقعه بشكل ثابت وقوي ولا توجد هناك خط رجعة في هذا، ومن يتوقع غير ذلك، فعليه مراجعة قناعاته بشكل جذري.

- هل سبق وتعرضت إلى أي مضايقات بسبب كتاباتك ونشاطك الحقوقي ؟
لا لم أتعرض، لكن هذا لا يعني أني غير "ملاحظ" أمنياً.

- كثير من المسؤولين لا يتجاوبون مع الانتقادات إلا إن صدرت من جهات خارجية أجنبية، فما تعليقك؟
في الحقيقة هذه مسألة شائكة، فترويض إعلامنا الداخلي على مر السنوات جعل منه إعلاماً متشككاً في ذاته ومرتاباً من طرح وطرق العديد من المواضيع بشكل مباشر. وساهم ذلك في خلق حالة من الاحتواء لما يصدر عنه، كما أنه مراقب ذاتياً من قبل رؤساء التحرير المتحفظين جداً والذين يمكن أن يتعرضوا للتوبيخ من قبل بعض الموظفين الحكوميين ومديري الهيئات الإعلامية، هذا يؤدي بصحفنا إلى البقاء في نطاق المناطق الخضراء أولاً، وثانياً؛ لا يتعدى تأثير إعلامنا المحلي في أفضل أحواله الداخل الإماراتي، المهمش أصلاً على كل الصعد، فالمواطن الإماراتي ليس ذا اعتبار لدى السلطة السياسية في الدولة، و ينظر إليه أحياناً كونه زائد عن الحاجة، وهناك شعب بديل جاهز عنه، وهو غير قادر على اختيار من يمثله في البرلمان وغير قادر على قيادة بعض الوزارات وهكذا. أما الإعلام الخارجي فتأثيره يتعدى الدولة، ويخاطب الرأي العام الدولي، ويمكن لتقرير خارجي أن يتسبب في صداع مزمن للدولة فتخرج على إثره المنظمات تندد، وتقوم بعض الجماعات الناشطة بدعوات مقاطعة والتحريض الإعلامي وغيره من تلك الأمور التي لن تأتي بفائدة للدولة وربما تتسبب بنوع من الحرج والضغط الاقتصادي، خاصة على بعض إمارات الدولة التي تعتمد بشكل كبير على تدفق رؤوس الأموال الخارجية.
العجيب في الأمر، أن السياسة التي أدت بإعلامنا إلى هذا المستوى المتدهور برغبة من السلطة الرسمية، انقلبت وبالاً عليهاً في الأزمة الاقتصادية الأخيرة، وخاصة على إمارة دبي، حيث أصبح إعلامنا العاجز غير قادر على اتخاذ موقف صريح، ناهيك عن محاولة إثبات العكس وإقناع الآخر فيما حيك ضد دبي في بعض التغطيات، كون إقناع الآخر يتطلب شفافية في الطرح وقول الحقائق عارية وهو ما يمثل خطاً أحمر لدى صحافتنا. فهنا، انقلب السحر على الساحر كما يقال، وأصبح تخوف إعلامنا في التعاطي مع المسألة الاقتصادية ونقص الشفافية والوضوح والترهب من تبعات تناول مواضيع قد تكون حساسة في هذه الفترة الحرجة، مساهماً غير مباشر في تأكيد ما ينشر في الخارج.

- ما أكثر ما يضايقك على الساحة المحلية؟ وما الذي تتمنى أن تغيره لو كنت مسؤولاً ؟
في الساحة الإعلامية أكثر ما يضايقني هو الفقر المدقع في الحريات الإعلامية، والقوانين الضارة بالمهنة، و استفراد الحكومات أو المحسوبين عليها بالمؤسسات الإعلامية وتنصيب رجالاتها عليها، والتدخلات الكثيرة والسافرة وإعطاء الأوامر والتعليمات التي تصل حتى إلى طلبات الكتابة حول موضوع معين وامتداح شخص معين أو حدث معين والإشادة المطلقة به وبالقائمين خلفة. أما في الساحة المحلية بشكلها الأعم، فالذي لا يعجبني هو غياب الديموقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية واستئثار فئة معينة بحكم وإدارة الدولة، ولا يعجبني سجل الدولة في حقوق الإنسان كما نص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهدين الدوليين، ولايعجبني الحديث حول فكرة الاتحاد بعد ما يقارب أربعين سنة من عمر الدولة وليس عن الوحدة، ولا يعجبني هو نقاشنا المستمر لنفس القضايا وتقديم نفس التوصيات منذ الثمانينيات إلى الآن، ولا يعجبني تهميش المواطن واعتباره "قاصر" سياسياً، هناك قائمة طويلة مما لا يعجبني، ولو كنت مسؤولاً في موقع قادر على اتخاذ قرارات في ما ذكرت أعلاه، سأتخذ قرار التحول إلى نظام ديموقراطي شامل و إطلاق الحريات العامة وإصدار التشريعات اللازمة للحفاظ على ذلك وعلى احترام حقوق الإنسان بكافة أشكالها.

- ما رأيك بالآراء  التي تطالب بمحاسبة المسؤولين المقصرين أو الذين يثبت وجود فساد إداري في فترات مسؤوليتهم ولماذا حتى الآن لا يوجد استجابة لهذه المطالب؟
لا شك أن الفساد أمر مشين ينخر في عظم أي دولة متى تواجد فيها. ولاشك أن المفسدين يجب أن يقدموا للقضاء ويحاسبوا على ذلك، لكن الأهم من ذلك أن يتم توحيد معايير تطبيق الفساد على الجميع، فلا يستثنى أحداً بغض النظر عن مركزه السياسي أو الإداري، وهذا ما لا أظنه سيحدث في كل الحالات لدينا، وسيجعل ذلك من محاكمات الفساد محاكمات انتقائية غير مكتملة.
ولو كنا نريد تطبيق مبدأ براءة الذمة بشكل عادل ومقنع، فيجب تطبيقه على الجميع وهذا سيعطي الجميع الثقة بأن القانون فوق الجميع وأن المحاسبة يمكن أن تطال الكل، وإلا فسيكون تطبيقنا في مسائل الفساد انتقائياً وغير كامل.

- ما الكلمة التي تحب أن توجهها إلى قراء مجلة حطة ؟
أشكرهم أولا لقراءة ثرثرتي الطويلة هنا، وأتمنى من قراء المجلة أن يوجهوا نقدهم دوماً إلى الأفكار والمواضيع التي تطرح فيها والابتعاد عن نقد الأشخاص لذواتهم، فذات الشخص وأفكاره وتوجهاته حق له ولا يجب أن تكون ذات أهيمة كبيرة لدينا، والأهم من ذلك هو مناقشة أفكار المواضيع والآراء المطروحة ونقدها ـ فذلك هو الأمر الصحي في خلق النقاش وتداول الأفكار والارتقاء بها. أشكركم مجدداً وصدري مفتوح للنقد بكل الطرق، تحياتي لكم جميعاً.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق