الثلاثاء، 3 مايو 2011

انتقاصات "الديمقراطية" الإماراتية



بقلم:  محمد على صالح المنصورى

منذ أن تم الإعلان عن شكل وطريقة الانتخابات الجزئية رأسيا وأفقيا للمجلس الوطني كنا ندرك أن هناك تراجع جدي وحقيقي عن مبشرات الديمقراطية. وسمعنا وعودا طويلة لم يتحقق منها شيئا. وبقي الحال جامدا حتى جاء قرار المجلس الأعلى بخصوص الانتخابات والذي لم يحمل أي جديد سوى التأكيد على التعامل غير المناسب في إدارة ومعالجة ملف الإصلاح المطلوب والمُلح.
ألا يكفي أن المجلس الوطني منزوع صلاحيات واختصاصات التشريع، ولا يستطيع اقتراح ولا رد أي قانون أو تعديله بصورة حرة وأمينة تعكس مصالح مجتمع لا مصالح شخصية أو فئوية. إن البرلمان هو بالأساس هيئة تشريعية رقابية وسلطة قائمة مستقلة بذاتها تتوسط السلطة التنفيذية والسلطة القضائية، كل يعمل وفق دستور متوزان في ظل دولة القانون.

إن عدم انطباق  هذا التوصيف على المجلس الوطني والسلطات الأخرى، يجعلنا أمام دستور لم يواكب التطور القانوني والديمقراطي في الدول العريقة التي حدثت بعد كتابة الدستور عام 1971. المفترض أن يكون الدستور هو ما تتحاكم إليه جميع السلطات وفقا لمبدأ الفصل بين السلطات. إلا  أن عدم وجود برلمان يتمتع بالصلاحيات والقوة والأمانة يجعلنا بعيدين تماما عن أي توجهات حقيقية من جانب الدولة لتعزيز الفصل بين السلطات، وهو ما نعتبره متعمدا من جانبها، حتى لا يكون للبرلمان الولاية الشرعية على السلطة التنفيذية، فيراقبها ويحاسبها، ويقيل حكومة ويأت بحكومة أخرى. بعبارة أخرى، الدولة لا تريد أن يتطور المجلس الوطني الاتحادي حتى يبقى عقيما لا ينتج نظام حكم برلماني، وإنما تريد بقاء الوضع على ما هو عليه.. وإذا كانت هذه إرادتها، فإننا نود أن نقول لها: إن إرادة الشعب الإماراتي تتمايز عن هذه الإرداة، وهذا الاجتهاد أو التوجه. 
المجلس كامل الصلاحيات يمارس أدواره التشريعية والرقابية، ويحقق دولة المؤسسات والقانون، التي يكافح البعض لوأد مجرد التفكير بها. وفي حال غياب البرلمان ذي المواصفات الديمقراطية في الدولة، فإننا نستطيع الاستنتاج: الإمارات حتى الآن ليست دولة قانون لأنها ليست دولة مؤسسات، ولا يزال بعض الرسميين حائرين في التعامل مع دولة قانون ومؤسسات.

لدينا هيكلية مؤسساتية جيدة وفريدة للنظام السياسي للدولة ولكنها ليست مفعلة. فالمجلس الأعلى للاتحاد هو أحد هذه الهياكل إلا أنه غائب تماما عن الفعل والتأثير، فليس له قانون وليس له إدارة وليس له أدوات ولا أمانة ولا مستشارين. وهذا نوع من إغتيال هذا الشكل الدستوري المحترم. و هذا الاغتيال يجعلنا نؤكد: عدم وجود جهات قرار في الدولة حتى الآن؛ كون المجلس الوطني معين والمجلس الأعلى لا لوائح ولا نظم له.
ونتج عن هذا الغياب الواضح للمجلس الأعلى قرار الانتخابات الأخير وهو بذلك قرار غير دستوري وغير قانوني. وبعلمنا المؤكد أن بعض القرارات لا تعرض على رئيس الدولة ولا نائبه ولا أعضاء المجلس حكام الإمارات. بل يضعه مستشارون يعملون لمراكز قوى شخصية و مرتبطون بأجندات هذه القوى. لذلك، فإن الرأي القانوني بهكذا قرار هو: قرار عنصري، قائم على التمييز المجرم أخلاقيا وقانونيا ووطنيا، لصالح 2% من الإماراتيين فقط. 
ونحن متيقنون أن أصحاب القرار لن يوافقوا على هذا القرار، لأنهم لا يدركون مدى خطورة القرار وآثاره على الصعيد الدولي، الذي يعج بالمراقبين والمتابعين الذين لن يترددوا بوسم هذا القرار بالعنصري فينددون به، بل ربما يتوجهون إلى مقاضاته دوليا. والمستهجن أن كل من خرج ليتحدث عن القرار هم سياسيون وليسوا قانونيين ممثلين عن رئاسة الدولة  أو عن رئاسة  مجلس الوزراء، وهذا يعتبر طعن آخر بالقرار شكلا وموضوعا.

كما أن ما يتردد عن انتخابات هو غير حقيقي، لأن آلية الانتخاب المعروفة لا تنطبق بأي صورة من الصور على صورة التعيين الممارسة في الإمارات حتى ولو كانت الصورة الممارسة مشوهة. إنها طريقة التفافية متعالية محتكرة للسلطة ولا يمكن أن تنتج مجلسا تمثيليا. بل إن طريقة التعيين الكامل السابقة أفضل من طريقة ذر الرماد بالعيون والتشدق بالديمقراطية.
وإذا كنا نقبل مجادلة أي حجة هنا وهناك حول قرار المجلس الأعلى، فإننا لا نقبل على الإطلاق القول: إن الشعب الإماراتي غير مؤهل! لأن في ذلك تطاول على حكام الإمارات الكرام الذين هم جزء أصيل من الشعب الإماراتي، ولا نطيق أن ينطبق هذا التعميم الأجوف الموغل بالغباء على حكام الإمارات! ونحن متأكدون أيضا أن حكام الإمارات لا يقبلون أن يوصف شعبهم بهذا الوصف المهين، الذي يتعارض مع ما قرره سبحانه من أهلية وتكليف كل مسلم بالغ عاقل حر، وحكام الإمارات يعلمون أنهم يحكمون شعبا بالغا عاقلا حرا مسلما. ولن يقبلوا بهذا التجريح الذي يسيئ إلى مقامهم الرفيع بصورة مباشرة. لأن جزءا مهما من قيمة الحاكم تتأتى من قيمة المحكوم.

وبسقوط جميع مبررات التلكؤ والاحتكار التي تساق وتسوق من هذا وذاك، فإن المطالب العادلة بوجود مجلس تشريعي ورقابي لن تنكفء ولن تتراجع، بل ستمضي بالقدر الذي يؤشر على إصرار وقيمة الإماراتيين ومدى تمسكهم بحقوقهم التي لن تظل طويلا في أيدي المستشارين ومراكز القوى.

مركز الامارات للدراسات والاعلام

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق