الثلاثاء، 3 مايو 2011

من أجل عقيدة أمنية عادلة



بقلم:  محمد على صالح المنصورى
لا خلاف ولا اختلاف على أهمية الأمن للفرد والمجتمع والدولة سواء. بل إن الأمن أحد المؤشرات الرئيسة على صحة المجتمع وقابلية تطوره واستقراره ومدى العدالة والديمقراطية السائدة فيه. ومن أجل ذلك، فقد أعلى الخالق، سبحانه، قيمة الأمن في حياة الإنسان واعتبرها إحدى النعم الكبرى، فقال:" وآمنهم من خوف". كما ورد الحديث عن الأمن في غير موضع بشكل مباشر أو غير مباشر في القرآن الكريم، وفي سنة الرسول (صلى الله عليه وسلم) ومن بعده الخلفاء والمؤمنون، والدول والمجتمعات كافة.

واختلف مفهوم الأمن من فرد إلى فرد ومن دولة إلى دولة، تبعا لنظرتها لمفهوم الأمن ومكوناته ومشمولاته. وصاغت الدول عقيدة أمنية خاصة بها، تقوم على تعريفها للأمن ومحدداته ومهدداته، وما يتناسب مع قيمها وتراثها ودينها، ومدى احترامها للحقوق والحريات، ومدى احترامها لشعبها، ومدى احترامها لنفسها!
لذلك، فقد جاءت دول بعقائد أمنية مشوهة وممسوخة عممت الخوف والظلم بدلا عن الأمن والعدل، ولكن عاقبة هذا المنهج نهايات غير مأسوف عليها كما حدث مع فرعون وقارون وهامان، وهتلر وموسوليني وتشاوتشيسكو ومبارك وبن علي والقذافي والأسد، والقائمة تطول...

ودول أخرى صاغت عقيدة أمنية أسس لها بنيان متين الآباء المؤسسون لدولة الإمارات رحمهم الله جميعا. ونتج عن تلك العقيدة الأمنية  دولة حضارية ومعاصرة ومتطورة عامرة بالأمن ومزدهرة بالاستقرار، رغم عدم مصادقة دولة الإمارات على كثير من مواثيق واتفاقيات حقوق الإنسان التي تشرع وتضمن أعلى درجات الالتزام بالحقوق والحريات على اعتبارها لا تنفصل عن مفهوم الأمن الشامل.

على أي حال، ورغم الحالة الأمنية المشهودة في الإمارات إلا أننا بحاجة إلى التأكيد على: حصر مسئولية الأمن بوزارة الداخلية فقط وأجهزتها الشرطية ذات الطابع المدني، إذ أنها هي المسئولة قانونيا عن حالة الأمن وتعزيزها وحمايتها وقائيا وعلاجيا، والقيام بتنفيذ الأحكام القضائية الصادرة عن النيابة العامة أو عن القضاء، كالقبض والتفتيش بالطرق القانونية الشرعية والمشروعة والمحددة قانونيا بشكل صارم. كما تقوم وزارة الداخلية بالتوعية والتثقيف الأمني من مخاطر الجرائم وحوادث الطرق والدفاع المدني، وغيرها من جوانب الأمن المختلفة. 

 وليس هذا فحسب، لا نستطيع تجاهل دور أجهزة أمن أخرى وأهميته في حماية الدولة من عدد أخر من الجرائم، وخاصة الماسة بأمن الدولة الداخلي والخارجي. وهذه النوعية من الأجهزة الأمنية يجب أن يقتصر اختصاصها وتخصصها على أمن المعلومات، وجمعها بطرق مشروعة، وتحليلها وفقا لمناهج علمية واضحة لا وفق أهواء شخصية. وفي كل الأحوال، يجب ألا يسند لهذه الأجهزة مهمة التعامل مع الجمهور في الاعتقال والقبض والتفتيش وغيرها من الإجراءت؛ كونها غير مدربة لهذه الحالات، وينتج عن تعاملها غلظة وإساءة للجمهور وعدم تقدير لحاجاته النفسية، خاصة أن جزءا رئيسا من فلسفة هذه الأجهزة تقوم على إدخال الرهبة على نفوس وقلوب من تعتبرهم أهدافا لها، أمام عائلاتهم وأطفالهم، وتتصرف معهم بلا رحمة وبلا تحفظ في كثير من الأحيان.
 إن جهاز الأمن، المنوط به مهمة كتلك المهمة، يجب أن يبقى في إطار عمله يتعامل مع المعلومات، دون أن يكون له أثر أو وجود ملحوظ على الأرض، وهذا أحد مقتضيات نجاح مهمته فنيا ومهنيا، لا القيام باستعراضات هنا وهناك.

نعرف جيدا حجم الأخطار الجديدة والمعقدة المتطورة عالميا وإقليميا وربما محليا أيضا، وما تتطلبه من تطوير في أداء الأمن ونظرته ومفهومه. ولكن الأصل أن يظل هذا التطوير في سبيل تعزيز العدالة وتعزيز حالة الأمن.
فإذا تأثرت دولة عربية بتجربة جهاز أمن عربي أو غير عربي، كما تأثر جهاز الأمن في مصر بالتجربة الأمنية السوفيتية، المندثرة والمتلاشية والبائدة تجربة وتأثيرا، فإن هذا لا يعني نهاية التجارب والمطاف. فهناك تجارب أمنية في سويسرا والسويد والنرويج وفنلندا وماليزيا وسنغافورة، وغيرها من الدول ذات الديمقراطيات العريقة، والتي بإمكان الدول العربية ودولة الإمارات الاستفادة من تجاربها الأمنية، كما نستفيد من تجارب التعليم والتنمية والموارد البشرية والصناعة والتجارة.
 لقد أثبتت التجربة السوفيتية، التي تجمع كل خيوط القوة بيد الأمن، وهيمنته  حتى على السلطة الحاكمة نفسها، فشلا كبيرا، كان أحد العوامل المباشرة والرئيسية في انهيار هذا النموذج الأمني الهالك. وأكد هذا الفشل تساقط هياكل الأمن التي ينفق عليها مليارات في كل من أجهزة أمن السلطة الفلسطينية في غزة، وجهاز أمن الدولة في مصر وتونس، والبقية تأتي... كأحجار الدومينو.. وبعد ذلك، هل هناك عاقل، يبقى متمسكا بتجارب فاشلة.

إن الوهم: بأن إخافة الناس، وبث الرعب في قلوبهم، وتأليب القبائل على بعضها، وبث الفرقة فيما بينها، واستدعاء خلافاتها وتفاخراتها، وإيقاظ الصراعات المناطقية والنعرات الطائفية، وتقريب البعض، وإقصاء البعض، ولغة التهديد والوعيد والسجون والاعتقالات، والاتهامات والتخوين- يصنع أمنا. كلا! هذا لا، ولن يصنع أمنا مطلقا! بل إن هذا أحد مهددات الأمن الرئيسة في دولة الإمارات، وأية دولة تطبق هذه السياسة. وهو مدعاة لعدم احترام القانون، وخطوة إلى الوراء في اتجاه دولة القانون والمؤسسات.

للخروج من هذا النفق المظلم، لا بد من إعادة تعريف مفهوم شامل للأمن في الإمارات، يشارك في تعريفه الفرد الإماراتي، والمؤسسة والمجتمع والدولة، ولا سيما أجهزة الدولة القضائية والحقوقية، القادرة والمؤهلة دون غيرها على تقديم مفهوم جامع مانع للأمن ومداه وحدوده، وصياغة عقيدة أمنية خاصة بدولة الإمارات تراعي نوعية المهددات والأخطار التي تواجه الدولة والفرد والمجتمع، ووضع مفهوم يتسع لحقوق الناس وحرياتها والعدل والمساواة. وإعادة النظر في مهام ووظائف أجهزة الأمن عموما، وإخضاعها للرقابة القضائية والمساءلة القانونية، وتجريم وتحريم الاعتقال السياسي واعتقال أصحاب الرأي والمثقفين والناشطين بلا استثناء.

وفوق هذا كله، فليكن الأمن في خدمة الإنسان والرأي العام، لا العكس كما هو قائم في دول كثيرة. وهذا يتطلب إعلان شفافيتها وإجراءاتها الأمنية للجمهور بصورة علنية، وأن يكون الرأي العام ووسائل الإعلام أحد جهات الرقابة على جهاز الأمن، يساعده ويسانده في كل الظروف والأحوال. هذه بعض ملامح عقيدة أمنية لمن أراد أن يصنع الأمن ويحافظ عليه، ويفاخر به!

مركز الامارات للدراسات والاعلام

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق